تكية السلط .. أكلات تراثية تطهى بالبيوت لتوزع على المارة

عمان1: لم تتوقع أم ريان جرار وهي تحمل معها عددا من أكياس التسوق أن تنتهي رحلتها بتناول كمية من "الرشوف”، وتتحلى بحبات من القطايف في ساحة العين في السلط.

كان ذلك ضمن "تكية السلط”، التي تأتي بمبادرة من مجموعة من الراغبين بالمحافظة على التراث الأردني فيما يخص "الأكلات الشعبية”، وتقديمها للمارة بشكل مجاني.

وتقول أم ريان إنها سعيدة بتناولها الرشوف الذي لم تعد تتناوله إلا في بيت والدتها التي تقوم بإعداده بين الحين والآخر، وتنوي العودة خلال الأسابيع المقبلة للتكية للاستمتاع بتناول أكلات تراثية أخرى تقدم لزوار السلط على اختلاف مستوياتهم المعيشية، بدون تخصيص فئة محددة، وهذا ما يعطيها انطباعا عائليا جميلا يحيي ثقافة "الإطعام” في المدينة.

وأصبحت ساحة العين على موعد كل أسبوع مع الفرح واللقاء بين الناس مع أصوات تتعالى وتدعو لتناول "الرشوف أو المجدرة والحميمصة.. وغيرها”، يتشارك فيها القريب والبعيد والفقير والغني، الرجل والمرأة، بصورة تمثل التآلف والتوادد بين سكان المكان بما يعكس التكافل الاجتماعي في السلط كغيرها من مدن المملكة.

و”تكية السلط” عبارة عن فعالية أسبوعية تقام كل يوم سبت، أنشأتها مجموعة من المبادرين الذين جمعهم حب السلط وتراثها، ومنهم عمر الشوبكي، الذي تحدث عن بداية التكية في نهاية العام الماضي ونجاحها الكبير مع ازدياد أعداد الزوار والمستفيدين من التكية والمتواجدين في مدينة السلط خلال فترة التوزيع.

ويأتي مفهوم "التكية” منذ الخلافة العثمانية التي كانت تنتشر في مختلف المناطق، وكانت تقام لإيواء المنقطعين وعابري السبيل وتقديم الطعام والمكان لهم. واستمرت التكية وتطور مفهومها على مدار سنوات، ويقوم كثيرون بإنشائها بين الحين والآخر، وتنم عن تكافل اجتماعي تتلاشى فيه الفروقات.

ويقول الشوبكي إن مجموعة من الشباب، مثل محمد باكير، مهند العزب، أسامة الحواري، إبراهيم الحياري، إبراهيم أبو رمان، خالد أبو رمان، والناشطة ثائرة عربيات، قرروا إطلاق المبادرة، وأصبح الإعلان عنها بشكل أسبوعي، وهي جزء من عشرات المبادرات التي تخرج من السلط بشكل دائم، لذا كان هناك قرار مبادرة تراثية تعتمد على إبراز المأكولات الشعبية، تستقطب الزوار والمارة، على حد تعبيره.

وتعتقد الناشطة ثائرة عربيات أن الهدف الرئيس من هذه المبادرة التي تقع تحت مظلة منتدى البلقاء الثقافي، أن يكون هناك تعريف للمتواجدين في السلط بأهم المأكولات الشعبية التي تلاشت في البيوت الأردنية على الرغم من أنها أكلات متوارثة من الأجداد والأمهات، ولها فائدة غذائية كبيرة وكانت تستعين بها السيدات في السابق لإطعام الأسرة، ومنهم من يوزعها على الجيران والأقارب، ومن هنا جاءت فكرة التكية في السلط وفي منطقة أيضاً تراثية هي نهاية شارع الحمام "ساحة العين”.

ويضيف الشوبكي أيضاً "من أهداف التكية تنمية مبدأ التواصل الاجتماعي بين الناس ونشر الفكرة في أكثر المناطق ولا تقتصر على السلط، ففي بعض الأحيان يُقبل الشباب على تناول تلك المأكولات التي لا يعرفون مكوناتها، ومن هنا يتعرفون عليها، وبعض الشباب والمارة يقومون كذلك بالمساعدة بالتوزيع على زوار شارع الحمام وساحة العين بغض النظر عن هدف مجيئهم إلى المنطقة، سواء سياحا أو متسوقين”.

ويطمح المبادر محمد باكير أيضاً إلى أن تتطور التكية بشكل أكبر وأشمل، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك حتى يكون هناك مساحة للمحتاجين وبعض الأسر العفيفة التي يمكن أن تستفيد مما تقدمه التكية من مأكولات، سواء أكلات شعبية أو وجبات مختلفة، وهذا إذا دل فإنما يدل على نجاح المبادرة في تنمية روح المواطنة والتواصل بين سكان مدينة السلط، وتشجيع الشباب كذلك على المشاركة في مثل هذه الفعاليات الخيرية الاجتماعية التراثية في الوقت ذاته.

ويقول الشوبكي "إن تواجد أطياف مختلفة من الأشخاص الذين يأتون للتكية كل سبت، يشجع الفقير أو المحتاج لوجبة في يومه على أن يتواجد معنا، ويقلل حاجز الخجل بين أهل المنطقة، خاصة وأن القائمين على المبادرة يحرصون في كل مرة على دعوة أكثر من شخص من السلط للتواجد في المكان، ولكي يحفزوا المارة على أن يكونوا جزءا من تكية السلط وتناول الوجبات التراثية التي يقوم بتحضيرها القائمون عليها في منازلهم، مع الحرص على أن تُقدم على أحسن وجه”.

وتصف عربيات مشاركتها في التكية بأنها أكثر من رائعة وسعيدة بأنها تسهم في تحضير بعض الوجبات، وتؤكد ضرورة أن تكون تراثية؛ إذ تعد عربيات من الناشطات في المجال التراثي في محافظة البلقاء ولها العديد من الفعاليات الخاصة بذلك، لذا تقوم بتحضير وجبات وتُعرف زوار التكية على مكوناتها وفائدتها.

ومن أبرز تلك الوجبات التي يتم تقديمها "الرشوف، الحميمصة، الجريشة، القطايف، الكعك السلطي (كعك العيد)، المجدرة، العدس” وغيرها الكثير من الأنواع الأخرى التي سيتم تقديمها على مدار الأسابيع المقبلة، بيد أن عربيات تبين "أن باب التبرع مفتوح لدى التكية لأي شخص يرغب بالتواصل معهم وتقديم الوجبات التي يرغب بتوزيعها لأي هدف كان، ففي النهاية هي مبادرة خيرية واجتماعية نسعى من خلالها إلى توطيد العلاقة ما بين سكان السلط على اختلافهم”.

وبحسب القائمين على المبادرة "كل زائر ومتسوق وسائح في مدينة السلط، ماراً بشارع الحمام الذي ينتهي بساحة العين فيها، يمكنه أن يكون أحد المحظوظين الذين يتذوقون بعضا من المأكولات الشعبية التراثية في كل يوم سبت من الأسبوع، كما يدعون الأسر العفيفة إلى أن تشارك بالمبادرة بوجودها لتناول الوجبات، ما يشجع المقتدرين على أن يكونوا جزءا من التكية ويسهموا في تقديم وجبات دائمة بشكل أسبوعي”.

ويُجمع المبادرون على أهمية ترسيخ مفهوم العمل العام والاهتمام بالقضايا المجتمعية، وكسر حاجز التفرقة بين السكان على اختلافهم، متطلعين إلى خطوة أكبر وأشمل لتعمم الفكرة بكل مناطق المحافظة، وتنعكس إيجابياتها على المجتمع ككل، وليس فقط على مبدأ "إطعام الطعام”.