انا قاض ولكنني أنسان، قد يرتكب جريمة 

عمان1:الإنسانية والقضاء يلتقيان عند خط الرحمة ويفترقان عند خطوط الحقوق، لأن بعض الحقوق تتطلب نظرة قانونية مجردة بعيدة عن أي اعتبار إنساني، وبعض الحقوق لا علاقة لها بالإنسانية بل بما فرضه القانون من واجبات والتزامات، فأهم أهداف القضاء هو تطبيق القانون حتى لو تبللت قاعات المحاكم بالدموع أو ضجت بالصراخ.
القضاء ينفذ القانون لأنه وسيلته الأهم، والإنسانية قانونها يقبع صامتاً في القلوب. القاضي يُصدر أحكامه وفقاً للنصوص القانونية التي درسها والتي تفرضها عليه سلطة الدولة، ولكن القاضي أيضاً ورغم أنه اليد العليا لتطبيق القانون ورغم كل الصلاحيات الممنوحة له يتحول وبلحظة إلى انسان بكل ما تحمله صفة الإنسانية من ضعف ببعض المواقف الصعبة.
نحن لا نرى في القضاة سوى وجوة جافة وسلطات مطلقة ولكن يقبع خلف ذلك الجفاف وتلك السلطات إنسان يشعر ويتألم، يريد ولا يريد، يتحمل وقد لا يتحمل، وهنا تصبح إنسانية القاضي عبئا عليه، لأنه يريد أن يعيش كباقي البشر، يريد أن تكون له حياة اجتماعية وعالم خاص يعيشه كما يرغب ومظهر خاص به لا ينتقده لأجله أحد، يريد أن يتكلم كما يشاء أن يغضب أو يحب كما يشاء أن يخرج إلى الأماكن العامة كما يشاء، أن يكون له أصدقاء غير خاضعين لتقييم المجتمع، أصدقاء ربما قليلو الثقافة ربما بسطاء  وربما أغبياء ولا وزن اجتماعي لهم ولكنهم أصدقاء؛ أي أن القاضي يرغب أن يعيش مثل باقي البشر، ولكنه لا يستطيع.
القضاء هي المهنة الوحيدة التي لا يمكن أن تسمح للقاضي أن يعيش كما يريد، ربما يتم التجاوز لرجل السياسة، بل إن رجل السياسة يمتلك حرية أكبر بكثير مما يمتلكه القاضي، فالقاضي مُراقب في ملبسه، في علاقاته، في مشاعره، في توجهاته السياسية والاجتماعية، يتم رصد تحركاته وتصرفاته وكلماته، هناك العشرات يراقبونه وليس فقط الموظفين في المحاكم. القاضي خارج قاعة المحكمة شخص وحين يدخل إلى المحكمة يتحول إلى مجرد قاضٍ، على باب المحكمة، يُلقي بثوب إنسانيته كي يلبس ثوب القانون فقط، وبحالات نادرة ويتحفظ عليها كثيراً قد يمارس بعضاً من إنسانيته وربما تتم معاقبته لهذه الإنسانية التي صدرت رُغماً عنه.
ولكن تكمن خطورة مهنة القضاء حين يعود القاضي ورُغماً عنه إلى إنسانيته، حين يمارس الغضب والحقد، حين يتم ابتزازه، حين يفقد قدرة التحمل لما يمكن أن يتحمله حتى ولو لم يستطع ذلك كل الناس، أن يفقد وفجأة السيطرة الكاملة على الذات، أن ينسى وبلحظة أنه قاض وانه يمثل ويطبق القانون وأنه النموذج والقدوة وأنه الملجأ أيضاً، في هذه اللحظات أو الدقائق من نسيان الذات والشهادات وسنوات الدراسة وجوائز التكريم، يعود وبشكل غريزي إلى انسانيته.

د. سناء ابو شرار