رد ناري من الفريق العدوان على سوسن مبيضين

حتى أنتِ يا سوسن ؟ 
 موسى العدوان

انضمت السيدة سوسن مبيضين يوم الاثنين الماضي إلى جوقة المسحّجين حاملة سلاحها الناري، فنشرت مقالا على موقع عمون الإخباري، ضمنته هجوما مركّزا على شخصيات وطنية تحت عنوان :" أين كنتم وأنتم في مناصبكم ؟ ذاكرة الأردنيين قوية ". وقد كالت السيدة المقاتلة من خلال مقالها تهما وإساءاتها الكبيرة لأشراف الوطن، يعزّ علينا أن نوقفها أمام المحكمة لتثبت اتهاماتها، احتراما لعشيرتها وليس لها لكونها لا تستحقين الاحترام.

وللإجابة على سؤالك الرئيسي عنوان مقالك أعلاه، سأقول لكِ إن كنتِ غائبة في وعيك عما يجري على ساحة الأردن من ممارسات تهدد أمنه الوطني. لقد كنا أيتها الإعلامية في ذلك الحين ندافع  عن الوطن يبدو أنكِ لم تعرفيه، فقد كنتِ في بطن أمك لم تعرفين النور بعد، أو أنكِ تتعامين عن الحقائق.

 لو كان قريبك الرجل الشريف محمد صالح مبيضين عليه رحمة الله على قيد الحياة، لقال لكِ أننا كنا خلال حرب حزيران سويا في قرية الكفير قضاء جنين، وكان زملاؤنا في مناطق القدس ونابلس والخليل، نواجه جميعا قصف الطائرات الإسرائيلية، دون غطاء جوي أو دفاعات جوية، ننتظر الأمر بالهجوم المعاكس على القوات الإسرائيلية القادمة، إلينا من الأراضي المحتلة.

أما في عام 1968 فقد كنا في معركة الكرامة، دافعنا عن ثرى الأردن في وجه القوات الإسرائيلية، التي عبرت النهر ولكنها ارتدت مهزومة بعد قتال امتد 16 ساعة، تاركة أشلاء قتلاها ودباباتها المحطمة على أرض المعركة. في تلك المعركة طلب الإسرائيليون لأول مرة في تاريخهم وقف إطلاق النار.

 وفي عام 1970 كنا ندافع عن كيان الأردن ونظام الحكم فيه، عندما كان الأشرار يقولون تحرير عمان قبل تحرير القدس، وأعلنوا قيام الجمهورية في شمال الأردن. وفي عام 1973 كنا ندافع عن القاطع الجنوبي من سوريا، إلى جانب القوات السوري والعراقية ضد العدو الإسرائيلي. فعطرت دماؤنا وأجساد شهدائنا أرض فلسطين والأردن وسوريا، وحمل من عاش منا ندبات جراحهم أوسمة شرف على أجسادهم طيلة حياتهم. وعندما أحلنا على التقاعد قبل ما يقرب من ربع قرن، تركنا خلفنا تاريخا يحمل بصمات الشرف وأداء الواجب بكل أمانة، نتحدى به أي مزايد أن يجد مثلبة ارتكبناها ضد الوطن أو النظام.

أيتها السيدة . . إننا لا نملك قصورا ولا خدما ولا عبيدا ولسنا من الأثرياء كما تتهمين، بل نحن أناس مستورين ونحمد الله على نعمته، لا نطمح بمناصب ولا مكارم فقد فات أوانها، بل نخشى على هذا الوطن الذي جبلنا ترابه بالدم والعرق والأجساد، أن يضيع من بين أيدينا، ونترك أبناءنا مشردين بلا مأوى، نواجه معهم ومع نظامنا مؤامرات التدويل الخطيرة، فنقدم لرأس الدولة النصيحة الأمينة من منطلق : صديقك من صدَقَكَ وليس من صدّقك، من أصحاب الحقائب الجاهزة للسفر.

لم يكن لنا خلال خدمتنا العسكرية أيتها السيدة، أي دور في السياسة أو إدارة الدولة، كما أن القوانين العسكرية لا تسمح لنا بإبداء الرأي السياسي أو التدخل في شؤون إدارة الدولة. بل كانت مهمتنا في ذلك الحين، تدريب جنودنا في وحداتنا العسكرية على أمور القتال، والاستعداد إلى يوم قد يُجمع به العرب على تحرير الأرض المغتصبة. أما ونحن متقاعدون فلنا الحق بالتحدث في كل شؤون الوطن كما نص عليه الدستور.

ألا تخجلين أيتها الإعلامية التي تعتبرين نفسك مثقفة، من مخاطبة أناس لهم تاريخ يشرّف كل مسحّج أفّاق بقولك : " أيها الإصلاحيون الضلاليون الكبار، جاءت رسالتكم بعد أن بلغ السيل الزبى بسببكم، وبسبب امتدادكم أللا محدود في استلام المناصب والقيادات. . جاءت بعد فوات أوانكم . . هذه الرسالة عليكم أن تبلوها وتشربوا ماءها . . .". فهل نحن المسؤولون عن كل هذا الفشل الذي تعاني منه الدولة ؟ أم هي سياسات الحكومات المتعاقبة خلال العقدين الأخيرين، التي أوصلتنا إلى هذا الوضع المحزن ؟ وأما المناصب والقيادات التي توليناها، فكانت نتيجة لجهودنا وكفاءاتنا التي شهد بها العدو قبل الصديق، ولم نهبط عليها بالبراشوت كما يحدث في وظائف دولتنا هذا اليوم. 

تقولين أيضا يا سوسن دون حياء :" وبعد أن لفظتكم المناصب والكراسي، أردتم تبديل جلدكم وتلوينه كالأفاعي تنفثوا سمومكم وتقذفوا حمم براكينكم، ولا ترقبوا في الإصلاح إلاّ ولا ذمة. ويحَكم لقد قتلتم الحلم والأمل في شبابنا وما زلتم تريدون استغفالنا والتسلق على همومنا، ومحاولة إطفاءها بسكب دموع التماسيح عليها. فقط ما عليكم إلا التوبة إلى الله، ولا تكون التوبة مقبولة من العبد إلا بالندم على ما كان وبترك الذنب الآن ". كلام جميل من السيدة الأديبة، تكفرّنا به وتخرجنا من الملّة. 

نحن لا نريد استغفال الشعب لأننا نعرف أنكِ أنتِ النبيهة المصلحة، الموجودة على رأسه، وتعملين على توعيته وهدايته إلى الطريق القويم وحمايته من الزلل. نحن لا نستغفل أحدا من الشعب، وإنما نفتح عيونه على الممارسات الخطيرة التي تجري على ساحة الوطن. أعتقد أنكِ أيتها الإعلامية قد نظرتي للمرآة بصورة معكوسة، فرأيتِ صورتك وصورة المجتمع بشكل يخالف الحقيقة. وإن كنتِ صادقة في حديثكِ أرجو أن تجيبي على الأسئلة التالية :

ألم تكن قواتنا المسلحة بكامل استعدادها ومعنوياتها العالية في النصف الثاني من القرن الماضي ؟ ألم تكن مؤسسات الدولة ومواردها موجودة وترفد الخزينة بمعظم موزانتها ؟ ألم تكن المديونية بحدود 6 مليارات دينار، ولم تكن 30 مليارا وهي بتزايد عاما بعد عام ؟ ألم يكن الفساد محدودا ويخجل الناس من التحدث به، بينما نسمعه اليوم على كل لسان ؟ ألم تكن قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والصحة والاتصالات والبنية التحتية والمستشفيات والطرق والجامعات والتعليم، أحسن حالا مما هي عليه اليوم ؟ 

ألم تكن معيشة المواطن بشكل عام أحسن منه هذه الأيام، وليس هناك من يعتاش من حاويات القمامة ؟ هل تعلمين يا سوسن عمن يعرض أحد أبنائه الخمسة للبيع، أو من يبيع أحد أعضاء جسمه لكي يحصل على رغيف الخبز ؟ هل تعلمين عن عدد من الشباب الين يقطعون الطريق الآن، سيرا على الأقدام من الطفيلة إلى عمان احتجاجا على عدم وجود وظائف لهم يعتاشون منها ؟

 لماذا لا تكتبي أيتها الإعلامية عن مشاكل المجتمع، التي من بينها الفقر والبطالة وعدم وجود وظائف للشباب، والمشاجرات وانتشار المخدرات بين الشباب في المدارس والجامعات ؟ لماذا لا تكتبى عن العنوسة لدى الفتيات وعدم قدرة الشباب على الزواج ؟ لماذا لا تكتبى عن المصانع والدكاكين الصغيرة التي تغلق أبوابها وتهاجر خارج البلاد ؟ لماذا لا تكتبي عن مصنع الملابس في الكرك على الأقل، والذي سيغلق أبوابه قريبا ويطرد 1500 عامل، ستتقطع بهم السبل ولا يجدون لقمة العيش ؟ وبدلا من ذلك توجهتِ لمهاجمة أشراف الوطن، الذين ينصحون صاحب القرار، بمعالجة تلك النواحي التي تهم جميع المواطنين وتحافظ على سلامة الوطن والنظام ؟ قليل من أدب المخاطبة يا سوسن مبيضين . . !

ختاما أقول : إنه فعلا زمن الرويبضة، وزمن كتاب مقالات النفاق مدفوعة الأجر، الذين قال عنهم رب العزة في كتابه الكريم :  ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) صدق الله العظيم.