هل تذكرون الصحّاف، ها هو يظهر مجدداً بالعراق

عمان1:«الصحاف الجديد».. جنرال عراقي أصبح يذكّر المحتجين بمحمد سعيد الصحاف وزير الإعلام في نهاية عهد صدام حسين.

فمع احتلال القوات الأمريكية لشوارع بغداد في عام 2003، ظل وزير الإعلام العراقي آنذاك محمد سعيد الصحاف يصر على أن الأمريكيين ما زالوا بعيدين عن العاصمة العراقية.

بحلول ذلك الوقت كان الصحاف الرجل المؤثر لدى نظام الزعيم العراقي صدام حسين قد حصل بالفعل على لقب «Baghdad Bob» أي «بوب بغداد» بسبب دعايته الغريبة؛ أو، ما يطلق عليه في لغة اليوم، الأخبار الزائفة.

بالتحرك سريعاً 16 سنة إلى الأمام، أي وصولاً إلى يومنا هذا، نجد العراقيون وقد بدأوا حركة احتجاجية منذ أسابيع ضد النظام السياسي الطائفي الذي تأسس في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة. وعلى الرغم من الدعوات المطالبة بالتغيير، ضاعفت الحكومة العراقية من رفضها للإصلاحات بينما شن الجيش العراقي حملة صارمة لقمع انتفاضة العراقيين.

ومع ارتفاع حصيلة القتلى، عاد العراقيون بالذاكرة مرة أخرى إلى حكايات الصحاف القديمة، الذي ظهر أحدث تجسيد له في هيئة المتحدث باسم القوات المسلحة العراقية، اللواء عبدالكريم خلف، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Washington Post الأمريكية.

خلف ليس من مناصري الاحتجاجات، أو الحقائق، في بعض الأحيان، حسب وصف الصحيفة.

لماذا يسمونه الصحّاف الجديد؟

أنكر خلف حالات استخدام قوات الأمن العراقية للذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع ضد المحتجين، بالرغم من وجود أدلة كثيرة على خلاف ذلك. ونبذ المحتجين باعتبارهم «مخربين» واتهمهم بالرغبة في اقتحام البنك الوطني. 

وزعم، دون دليل، أن المحتجين يصنعون قنابل ارتجالية في مركز قيادة أنشأوه في مبنى مهجور، يُعرف باسم المطعم التركي، في ميدان التحرير بوسط بغداد. حتى أنه اتهم المحتجين بمحاولة استفزاز قوات الأمن.

لكنّ المحتجين أنكروا هذه المزاعم وردوا عليها بفصل أخرى من كتاب الدليل السياسي العراقي: السخرية.

غرّد مثل خلف.. صدام يتحالف مع البغدادي

في الأيام الأخيرة، استخدم الناس هاشتاغ #غرد_مثل_خلف لرواية نسختهم الخاصة من الأحداث بطريقة ساخرة.

وسخرت عدة تغريدات من تصوُّر خلف عن المحتجين في المطعم التركي، وتحدثت عن القدرات غير العادية للمحتجين من خلال افتراض أن الأبطال الخارقين مثل الرجل الأخضر كانوا مختبئين هناك وسيطلقون العنان لقدراتهم على الحكومة قريباً.

وعلق أحد الأشخاص في تغريدة على صورة أظهرت تصاعد أدخنة الغاز المسيل للدموع قائلاً: «الحكومة تشعل البخور خوفاً على المتظاهرين من الحسد».

وافترضت تغريدة مختلفة أنه في عالم آخر يجتمع صدام حسين مع أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الذي قُتل مؤخراً، لقيادة المحتجين، المسلحين بأسلحة الدمار الشامل، في حرب ضد الدولة.

وسخر آخرون عبر الإنترنت من إنكار خلف استخدام قوات الأمن الذخيرة الحية، وهو الفعل الذي كان قد وثقه الصحفيون وجماعات حقوق الإنسان. 

وفي الأسابيع الأخيرة، قُتل 320 محتجاً على الأقل، وفقًا لوكالة Associated Press الأمريكية، رغم أن العدد الفعلي قد يكون أكثر من ذلك بكثير. مع رفض الحكومة العراقية الإفصاح عن أعداد القتلى.

وغرد أحدهم مستخدماً الهاشتاغ نفسه بنوع من الكوميديا السوداء قائلاً: «نحن هنا من أجل حماية المتظاهرين»، وأرفق مع التغريدة صورة لقوات الأمن المسلحة.

حتى أن أغنية “Baby Shark” الرائجة تورطت في المعركة الكلامية عبر تويتر.

لكن المحادثات عبر الإنترنت كانت محدودة؛ ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الحكومة العراقية كانت تقطع اتصالات الإنترنت بشكل دوري في محاولة أخرى للحد من التظاهرات الاحتجاجية.

رغم ذلك، استمرت النكات -والدعوات إلى التغيير- في الظهور.

ليست مظاهرات بل تخفيضات 

وفي مقطع مصور حديث، ظهر الممثل الكوميدي العراقي الشهير أحمد وحيد مرتدياً مثل خلف ومقلداً له في طريقة تعامله الفريدة مع الأحداث. 

وظهر الممثل مازحاً وهو يجري مقابلة ويجيب على الأسئلة. الناس يتظاهرون في الشوارع؟ أحب أن أوضح هذه ليست تظاهرات، إنهم فقط بعض الأشخاص الذين يتجمعون من أجل التخفيضات بأحد المتاجر. 

الدخان يملأ الشارع؟ لا، هذا ليس غازاً مسيلاً للدموع، ولكنه الدخان الناتج عن تدخين التبغ والسجائر الإلكترونية. والشرطة تضرب الناس على شعرهم وليس رؤوسهم. وبالطبع، أصر، على أن الحكومة لم تقطع الإنترنت: بل إن الناس فقط لم تدفع فواتيرهم.

العراقيون ليسوا غرباء عن عملية التضليل أو السخرية كأداة لمواجهته

يقول أحمد البشير (35 عاماً) وهو ممثل كوميدي عراقي يعيش في نيو هيفن بولاية كونيكتيكت: «معظم تصريحات السياسيين تستخدم كنكات الآن في العراق». 

وفي استطلاع للرأي أجرته شركة المستقلة للبحوث والدراسات، وهي شركة أبحاث مقرها العراق، وجدت أن 20% فقط من العراقيين يثقون في الحكومة.

يضيف البشير: «إذا جعلت من شخص ما مزحة، فلن يصدقه الناس أبداً». ويقدم البشير عرضاً كوميدياً أسبوعياً يبث في العراق. وقال إن السلطات منعت البث على مدى الأسبوعين الماضيين من خلال التشويش على الشبكة.

إنها وسيلة للسيطرة الطائفية

ويدرك العراقيون أيضاً مدى خطورة «الأخبار الزائفة».

وقال البشير إن الزعماء السياسيين والدينيين في العراق «أوجدوا الحرب الطائفية عن طريق التضليل»، مشيراً إلى القتال الذي حرض العراقيين السنة والشيعة ضد بعضهم البعض في الفوضى التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة.

وأضاف أن السخرية هي الطريقة التي تغلب بها الناس على هذه الحرب جزئياً: الضحك شيء يمكن للجميع المشاركة فيه، والنكات التي تناولت السياسيين الذين يتطلعون إلى تقسيم العراق ساعدت في تقليل قوتهم.

يقول البشير: «لقد ساعدت النكات كثيراً في تقليل التوترات بين العراقيين».

الآن، يعرب حسن حبيب (29 عاماً) وهو متظاهر في بغداد عن أسفه لأن قادة مثل خلف أصبحوا مادة للسخرية لدى للناس.

وقال: «يجب عليه أن يدرك أنه في زمن الصحاف لم يكن هناك إنترنت ولم يكن هناك سوى قنوات مملوكة للدولة فقط، وأن الصحاف كان المصدر الوحيد للمعلومات. لكن الأمر الآن مختلف».

ولم يرد خلف على طلب صحيفة The Washington Post للتعليق. وعلى تويتر، ندد بالهجمات الموجهة ضده وتعهد بمواصلة خدمة بلاده. 

الرد بالسباب

وهاجم أيضاً منتقديه: ففي رسالة عبر خدمة واتساب، اتطلعت عليها The Washington Post، وصف فيها نورا القيسي، وهي صحفية عراقية مستقلة تبلغ من العمر 36 عاماً كانت قد تحدت تصريحاته، بـ «العاهرة».

وقالت نورا لـ The Washington Post: «إنه يشبه الصحاف بزيه العسكري وتصرفاته. إنها طريقة لعسكرة المجتمع كلياً مثلما كان الحال من قبل».

وكان خلف يتمتع بسمعة صارمة وصعبة في منصبه السابق حين كان متحدثاً باسم وزارة الداخلية. وعُين في منصبه الحالي في 26 أكتوبر/تشرين الأول، بعد يوم واحد فقط من بدء الموجة الثانية من الاحتجاجات. والآن نشر المتظاهرون رقم هاتفه حول المطعم التركي حتى يتمكن الناس من الاتصال به وإخباره بآرائهم.

واختتم حبيب حديثه قائلاً: «إذا أراد أن يكذب، فينبغي أن يكذب بطريقة ذكية، وليس بهذه الطريقة القديمة».