نور .. كانت تحلم بمنصب المدعي العام لكنهم حطموا أحلامها

عمان1:أن يجد الإنسان نفسه محروماً من مستقبل يحلم به ويعمل جاهداً لتحقيقه ولا تبدو أمامه معوقات لمجرد أنه مسلم أمر لا يمكن وصفه، هذا بالتحديد ما تعرّضت له محامية مسلمة من أصل عربي في بلاد يُفترض أنها تحترم حقوق الإنسان وتكافح العنصرية، فما القصة؟

صحيفة الغارديان البريطانية نشرت قصة المحامية تحت عنوان: «تحطّمت كل أحلامي: كيف تسبَّب قانون حظر الرموز الدينية في تغيير المسار المهني للنساء في كييبك؟».

من هي نور فرحات؟

كانت المحامية نور فرحات، البالغة من العمر 28 عاماً، تحلم دائماً بأن تشغل منصب المدعي العام في بلادها، لاسيما أنَّها حاصلة على درجة الماجستير في القانون الجنائي.

لفتت نور انتباه الكثيرين في قاعات محاكم مقاطعة كيبيك الكندية -القضاة والمحامين الآخرين وحتى المُدّعى عليهم- نظراً لكونها امرأة شابة ذات لون بشرة مختلف. وأوضحت نور أنَّ جميعهم كانوا سعداء برؤية محامية غير بيضاء.

وقالت نور: «في مونتريال، يقولون إنَّ ثلث الأشخاص يأتون من أماكن أخرى، وأنت ترى ذلك حقاً في المحكمة. هناك الكثير من الأشخاص أصحاب البشرة السمراء، والعرب، والهسبان. وكانوا جميعاً سعداء برؤيتي». كانت نور متفائلة للغاية بشأن مستقبلها بعد عام من التدريب لدى مكتب ترخيص المركبات في كيبيك.

قانون حطم أحلام الآلاف

لكن حكومة كيبيك حطّمت هذه الأحلام في شهر يونيو/حزيران عندما أقرَّت مشروع القانون 21 الخاص بعلمانية الدولة، والذي يحظر على بعض موظفي القطاع العام ارتداء الرموز الدينية. ترتدي نور غطاء الرأس (الحجاب)، وهو رمز يُعبّر عن عقيدتها المسلمة بشكل لا لبس فيه.

قالت نور عن هذا القانون المثير للجدل: «لقد حطَّم حقاً كل أحلامي. كنت على يقين من مساري المهني قبل خمسة أشهر وكنت سأخبركم أنَّني المدعي العام في المستقبل.. لكن الآن سأقول حسناً، ربما أصبح خبيرة في قانون التأمين؟».

نور واحدة فقط من بين آلاف الأشخاص، الذين تعرقلت مسيرتهم المهنية بسبب القانون 21، الذي أقرَّ في الساعة الرابعة صباحاً يوم 17 يونيو/حزيران بعد 16 ساعة من المناقشات. تراقب نور عن كثب في حين تتزايد الدعاوى القانونية ضد هذا القانون التمييزي وربما غير الدستوري.

الشرطة والقضاة والمدرسون والمحامون

رُفعت أحدث دعوى قضائية من جانب أكبر مجلس إدارة مدارس في كيبيك، إذ يؤثر القانون على قطاع التعليم في المقاطعة، حيث تشكل النساء نسبة 74.5% من إجمالي القوى العاملة من المعلمين.

جاء القانون 21 بعد جدال طويل بشأن حقوق الأقليات في ارتداء ما يُعبّر عن انتمائهم الديني في أماكن العمل. يحظر القانون على الأشخاص، الذين يشغلون مناصب السلطة ارتداء رموز دينية في العمل، من بينهم ضباط الشرطة والمحامون والقضاة والمعلّمون. ويجب على موظفي القطاع العام الآخرين مثل سائقي الحافلات والأطباء والإخصائيين الاجتماعيين إبقاء وجوههم مكشوفة بدون غطاء.

وما يزيد من تعقيد الأمور، منح القانون بعض العاملين الدائمين في الدولة بنداً استثنائياً يسمح لهم بارتداء رموزهم الدينية والاحتفاظ بوظائفهم ما لم يحصلوا على ترقية أو ينتقلوا إلى وظيفة عامة جديدة أو مدينة أخرى.

استهداف المسلمين

لم ينص القانون على رموز دينية محددة فمن الناحية النظرية، يحظر جميع ارتداء جميع الرموز الدينية -الكيباه والعمائم والصلبان- على قدم المساواة. ومع ذلك، يتفق العديد من السكان على أنَّ القانون يستهدف بشكل رئيسي النساء المسلمات لأنَّه يذكر غطاء الوجه (النقاب) على نحوٍ خاص، وبسبب أيضاً المشاعر المعادية للإسلام المتغلغلة منذ أمد طويل في المقاطعة.

مُرَّر مشروع القانون على خلفية العنف المتزايد ضد المسلمين في المقاطعة. في عام 2017، قُتل ستة مسلمين وأصيب 19 آخرون في حادث إطلاق نار على مسجد بمدينة كيبيك. وتبين إحصائيات الشرطة في مونتريال أنَّ 58% من جرائم الكراهية في عام 2018 كان ضحيتها مسلمين. يُمثّل المسلمون حوالي 3% من سكان المقاطعة.

وتتلقّى نور فرحات تعليقات معادية للإسلام من المدافعين عن القانون 21 منذ نشرها رسالة مفتوحة ضد هذا التشريع في 21 في أبريل/نيسان الماضي، لكنها مُصمّمة على عدم السكوت. وقالت: «لدي رأي وسوف أعلنه على الملاً، لاسيما عندما لا تريد حكومتي أن أفعل ذلك».

تتلقى أيضاً أمريت كور، نائب رئيس المنظمة العالمية للسيخ، نصيبها من رسائل الكراهية عبر البريد الإلكتروني. تعتبر أمريت كور، البالغة من العمر 28 عاماً، معارضة علنية للقانون 21. كانت أمريت ستصبح مُعلّمة في كيبيك هذا العام إذا كان قد سمح لها بمواصلة ارتداء عمامتها.

بدلاً من ذلك، حزمت أمريت أمتعتها على مضض وانتقلت إلى مدينة فانكوفر، لشغل منصب مُعلّمة. قالت: «لم يكن لدي أي خيار. أظن أنَّني أحتاج إلى الأمن الوظيفي في هذه المرحلة من حياتي».

جهل بطبيعة المعتقدات الدينية

جادلت أمريت بأنَّ القانون يعكس افتقاراً عميقاً لفهم أديان مثل الإسلام والسيخية، وقالت: «محاولة إخفاء معتقدك الديني هي وسيلة بروتستانتية للغاية لفعل الأشياء. «ينبغي لك فهم معتقدي الديني والطريقة التي أمارسه بها. لا يتعيَّن عليك الموافقة عليه، بل عليك فقط قبول حقي في أن أعيش حياتي بالطريقة التي أريدها».

على الرغم من أنَّ جميع نساء السيخ -أو الرجال- لا يرتدين العمائم، تؤكد أمريت أنَّها اختارت فعل ذلك بمحض إرادتها. وقالت: «لقد تعرضت لضغوط من أشخاص ينصحوني بعدم فعل ذلك لأنَّني سأواجه الكثير من العنصرية. لكنني قررت أن أعيش الواقع».

ومن بين المبررات الرئيسية التي ساقتها حكومة المقاطعة لإقرار هذا القانون أنَّه يُحسّن المساواة بين الجنسين من خلال تحرير النساء من قيود الديانات القمعية. ويقول منتقدون إنَّه يستهدف النساء من الأقليات الدينية والعرقية، الذين اندمجوا بالفعل بصورة جيدة في المجتمع، فضلاً عن أنَّه يدمر قدرتهم على كسب لقمة العيش وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

قال روبرت ليكي، عميد كلية الحقوق بجامعة مكغيل الكندية: «النساء المسلمات اندمجن تماماً في المجتمع، إذ أصبحن يشغلن وظائف حكومية، ويتحدثن الفرنسية ما لم يُدرّسن في إحدى مدارس اللغة الإنجليزية، ويمتثلن لجميع القواعد واللوائح في كيبيك». واقترح أيضاً أنَّ يتوجّه المتضررون للمطالبة بتعويض في المحكمة.

بالنسبة لامرأة، مثل نور فرحات، تبدأ حياتها المهنية للتو، فإنَّ الأضرار الناجمة عن هذا القانون لا حصر لها. إنَّها تتساءل باستمرار ما إذا كان يمكنها البقاء وتكوين عائلة في المستقبل. قالت نور: «القانون لا يمس معظم سكان كيبيك على الإطلاق، لكنه –بالنسبة لي- يخلف عواقب وخيمة على حياتي كلها».