هؤلاء يريد اللبنانيون رحيلهم .. ونصرالله الرافض الأبرز

عمان1:تحركت الحكومة اللبنانية واتخذت إجراءات إصلاحية اقتصادية، لكنها لم تقنع المتظاهرين بالعودة لمنازلهم، وزاد الإصرار على «إسقاط النظام»، فما هو النظام الذي يريد المحتجون أن يسقطوه أو بالأحرى يغيروه؟ هل المقصود رئيس الجمهورية أم رئيس الحكومة ووزراؤها أم البرلمان؟

«كلن.. يعني كلن»

عبارة «كلن.. يعني كلن» باللهجة اللبنانية تعني «كلهم.. أي يرحلون جميعاً»، وهو الشعار الأبرز في مظاهرات لبنان، جنباً إلى جنب مع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، أي أن المطلب الوحيد هو استقالة الطبقة السياسية الحاكمة ومحاكمتهم بتهم الفساد واستعادة الأموال المنهوبة.

من هو رئيس الجمهورية؟

رئيس الجمهورية هو العماد ميشيل عون، وهو مسيحي ينتمي للطائفة المارونية، وقد شغل المنصب في 31 أكتوبر/تشرين الأول عام 2016، بعد أن ظل منصب رئيس الجمهورية شاغراً لنحو عامين عقب انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشيل سليمان، بسبب عدم التوافق بين الطوائف والكتل السياسية على شخصية لشغل المنصب.

لا يتم انتخاب رئيس الجمهورية من خلال التصويت الشعبي المباشر، بل يتم ذلك من خلال نواب البرلمان، بحسب التوافق السياسي في لبنان الذي أنهى الحرب الأهلية فيما يعرف باسم اتفاق الطائف عام 1990.

وبذلك اجتمع البرلمان وتم انتخاب عون رئيساً بعد أن صوّت لصالحة 83 نائباً (عدد نواب البرلمان اللبناني 128 عضواً)، وبالطبع لم يكن ذلك ليتم إلا بعد حدوث التوافق بين الكتل السياسية في البلاد.

الحكومة في لبنان وتشكيلة توافقية

يرأسها سعد الحريري وهو سني مسلم (رئيس الحكومة لابد أن يكون سنياً مسلماً) وهو رئيس تيار المستقبل، والحكومة الحالية تشكلت رسمياً في 31 يناير/كانون الثاني الماضي، بعد مشاورات ومناوشات بين الكتل والأحزاب والطوائف استمرت ثمانية أشهر وستة أيام منذ تسمية سعد الحريري رئيساً للحكومة.

وحتى تتضح الصورة أكثر هنا بشأن النظام السياسي في لبنان، من المهم هنا أن نذكر أنه من صلاحيات رئيس الجمهورية تعيين رئيس الوزراء (على أن يكون مسلماً سنياً)، وبعد أن يتم تعيينه يبدأ رئيس الحكومة مشاوراته لاختيار الوزراء والقرار هنا لا يكون له بشكل مطلق بل يخضع لتوازنات ومشاورات مع الأحزاب والطوائف والكتل السياسية الممثلة في البرلمان، والتي بالطبع يريد كل منها أن تكون له حصة في وزارات السيادة والوزارات الخدمية، وهي عملية سياسية مرتبطة بالمصالح، ليس فقط المحلية بل الإقليمية أيضاً.

وهذا ما يفسر الوقت الطويل جداً الذي تستغرقه عملية تشكيل الحكومة أو حتى اختيار رئيس الجمهورية، كما حدث قبل الاستقرار على الرئيس الحالي ميشيل عون، حيث ظل منصب رئيس الجمهورية شاغراً لنحو عامين ونصف.

الحكومة الحالية تضم 30 وزيراً موزعين على التيارات والكتل المختلفة، فتيار المستقبل الذي يرأسه الحريري له 4 حقائب وزارية، هي الداخلية والاتصالات والإعلام ووزير دولة لشؤون التمكين الاقتصادي للنساء والشباب، ولتيار لبنان القوي 6 حقائب، هي الخارجية (جبران باسيل) والطاقة والمياه والاقتصاد والتجارة ووزير دولة لشؤون المهجرين والسياحة والبيئة، ولحزب الله (المتحالف مع تكتل لبنان القوي) حقيبتان وزاريتان هما الشباب والرياضة وشؤون البرلمان.

هناك حقائب وزارية تحت مسمى (حصة رئيس الجمهورية) وعددها 5 حقائب منها الدفاع، إضافة لحصة حركة أمل الشيعية وعددها 3 حقائب منها المالية والزراعة، إضافة لتكتل الجمهورية القوية وله 4 حقائب وزارية، وباقي الحقائب موزعة على باقي التكتلات والطوائف.

البرلمان في لبنان مكون من غرفة واحدة هي مجلس النواب، وأجريت آخر انتخابات العام الماضي، ويرأسه نبيه بري زعيم حركة أمل الشيعية. نبيه بري يرأس البرلمان اللبناني منذ عام 1992، وعلى الرغم من أن البرلمان منوط به تعيين رئيس الجمهورية الذي بدوره يعين رئيس الحكومة، أي أن مجلس النواب هو الهيئة الوحيدة المنتخبة، إلا أن الانتخابات البرلمانية اللبنانية كثيراً ما تأجل إجراؤها، بعد أن قام المجلس  بتعديل قانونه ليسمح بالتمديد، وبذلك ظل البرلمان المنتخب عام 2009 قائماً حتى الانتخابات الأخيرة عام 2018.

القانون الانتخابي في لبنان يقسم أعداد النواب بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، كما يحدد نسب تمثيل كل طائفة بحسب مناطق تركزها، شيعة وسنة ودروز وموارنة وأرمن أرثوذكس.. إلى آخر قائمة الطوائف وعددها 18.

لماذا يرفض حزب الله استقالة الحكومة؟

في ضوء قانون انتخابي ودستور قائمين على المحاصصة الطائفية وتوزيع المناصب بحسب الانتماء وليس بحسب التخصص والكفاءة، استشرى الفساد في لبنان وتدهور الاقتصاد، وانهارت الخدمات في مجالات الكهرباء والماء والصحة والتعليم وغيرها، وظلت الأزمات تتكرر وتتسبب في تذمر شعبي يتم احتواؤه من جانب الطبقة السياسية الحاكمة، حتى انفجر الغضب الشعبي وخلع اللبنانيون عباءات الطائفية والحزبية وتوحدوا تحت راية الوطن، مطالبين الجميع بالاستقالة.

كان لافتاً في كلمة زعيم حزب الله حسن نصرالله التي وجهها للمتظاهرين السبت 19 أكتوبر/تشرين الأول رفضه التام لاستقالة أي عضو من الحكومة أو رئيسها أو رئيس الجمهورية، محذراً من الفراغ والفوضى، ولاستمرار الحكومة الحالية سبب معروف وهو سيطرة حزب الله على قراراتها من خلال تحالفه مع رئيس الجمهورية وتكتل لبنان القوي الذي يرأسه وزير الخارجية جبران باسيل.

ويخشى حزب الله من تغيير الوضع السياسي الحالي في ظل أوضاع إقليمية غير مستقرة، وخصوصاً أزمة إيران مع الولايات المتحدة والسعودية، وبالتالي فتح ملف «سلاح حزب الله» وضرورة دمجه في الجيش اللبناني، وهو بالطبع خط أحمر لدى التنظيم الإقليمي الذي يدين بالولاء لإيران، وبالتالي هو وحلفاؤه باسيل وبري ورئيس الجمهورية يلمحون في كلماتهم وتصريحاتهم إلى وجود «أيادٍ خفية» تحرك الاحتجاجات، وهو ما يزيد من إصرار الشارع الثائر على مطلبه.

ولأول مرة في لبنان يتردد اسم حسن نصرالله ضمن من يريد الشعب رحيلهم «كلن يعني كلن.. نصرالله واحد منون» أي (كلهم لابد أن يرحلوا .. نصرالله واحد منهم)، على الرغم من أن حسن نصرالله لا يحمل منصباً رسمياً، إلا أنه معلوم لدى الجميع أنه صاحب القرار الأول في البلاد، فهو يمتلك القوة المسلحة الأبرز.

كيف يمكن تنفيذ مطلب الثورة؟

الشعب إذن يريد استقالة الجميع؛ نبيه بري رئيس مجلس النواب، وميشيل عون رئيس الجمهورية، وسعد الحريري رئيس الحكومة، وجبران باسيل وزير الخارجية، وباقي الوزراء، كما يريدون ألا يتدخل حسن نصرالله في القرار السياسي في البلاد، وكذلك الحال بالنسبة لسمير جعجع قائد القوات اللبنانية وباقي طبقة السياسيين الذين كان لهم دور في الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الحرب الأهلية قبل نحو ثلاثة عقود.

كما يطالب الثوار بفتح ملفات الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، وهذا المطلب تحديداً يعني ضرورة تولي وجوه جديدة المسؤولية لا تكون لها صلة بالنظام الحالي حتى تتمكن من فتح الملف دون حسابات، بحسب ما يردده المتظاهرون.

تنفيذ تلك المطالب يبدو مستحيلاً في ظل تعقد الحسابات، ليس فقط لبنانياً ولكن إقليمياً ودولياً، فالسعودية تراها فرصة مواتية لإضعاف حزب الله في لبنان، وبالتالي توجيه ضربة لإيران، وهو الهدف الذي تريده أيضاً واشنطن وإسرائيل، وهذه الحسابات ليست غائبة عن حزب الله بالتأكيد، لكن أداء الشارع اللبناني الثائر حتى الآن من حيث الإصرار على المطالب والتنظيم الرائع للتظاهرات يؤشر على أن المعركة لن تكون سهلة لأي من الطرفين، سواء السلطة القائمة الرافضة للاستقالة أو للشعب المصمم على عدم مغادرة الشارع حتى ينال ما يريد.