قصة السلاح النووي الذي صممته بريطانيا لمواجهة زحف السوفييت على ألمانيا

عمان1:تعد الألغام الأرضية والأسلحة النووية هي أشد الأسلحة رعباً في الحرب، لسببين مختلفين تماماً. إذ يمكن للأسلحة النووية أن تمحو مدناً بالكامل، في حين تُدفَن الألغام الأرضية في الأرض وتنتظر لتأذي أي شخصٍ يتجول بالقرب منها.

وفي خمسينيات القرن الماضي، حاولت بريطانيا المزج بين الاثنين في لغمٍ نووي، واستخدام الدجاج مصدراً للحرارة. نعم هذا هو الاقتراح الذي قدَّموه بالفعل. لكننا سنتطرق لمسألة الدجاج في وقتٍ لاحق.

كيف بدأت فكرة الألغام النووية؟

تقول مجلة National Interest الأمريكية، إن مشروع «الطاووس الأزرق» كان سيعتبر أحد أسوأ أنواع أسلحة الحرب الباردة، وهو سلاحٌ نووي لا يعرف العدو أنَّه لديك. إذ حاولت بريطانيا تطوير وزرع 10 ألغام نووية. وكان من المقرر نقل هذه الأسلحة المرعبة فور الانتهاء منها إلى الجيش البريطاني في الراين، وهي قوات الاحتلال البريطاني في ألمانيا.

ثم يزرع الجيش البريطاني في الراين الألغام بطول حدود ألمانيا الشرقية في الشمال، وتنفجر إذا حاول السوفييت عبور الستار الحديدي. ولم يكن الهدف الأساسي من المشروع هو قتل الجنود السوفييت، على الرغم من أنَّ الانفجارات يمكنها أن تقتلهم بالتأكيد، لكنها كانت تهدف إلى نشر الإشعاع في سهل شمال ألمانيا، فلا تستطيع قوات موسكو احتلالها حينها.

منع العدو من احتلال المناطق

وكشفت قناة Discovery الأمريكية عن ورقة إحدى السياسات من عصر الحرب الباردة، تنُصُّ على التالي: «لن يدمر اللغم المزروع بمهارة المعدات والمركبات الموجودة في محيطٍ كبير وحسب، لكن من شأنه أن يمنع العدو من احتلال المنطقة لفترةٍ معتبرة من الزمن بسبب التلوث الإشعاعي».

واعتمد العلماء في تصميم لغم الطاووس الأزرق على أول سلاحٍ ذري بريطاني، الدانوب الأزرق. إذ كان وزن قنابل الدانوب يتراوح بين 10 إلى 12 ألف طن، وكانت مُصمَّمةً لإسقاط من الطائرات.

وكانت قنابل الدانوب الأزرق تحوي كميةً أقل من الموجودة في قنابل أخرى مثل الرجل البدين والولد الصغير؛ لذا قرر الجيش البريطاني في عام 1954 أن يتبنى هذه الكمية النووية الضئيلة ليضعها في لغم أرضي.

وأمر مكتب الحرب بالتطوير، واستعدت المؤسسة الملكية لتطوير وأبحاث التسليح للعمل على تحويل الدانوب إلى طاووس. وفي سنوات قليلة، كان لدى الباحثين نموذج تجريبي. واستَخدَم اللغم الأرضي النووي قلباً من البلوتونيوم، محاطاً بمتفجرات تقليدية، وزوجٍ من دبابيس الإشعال. ويغلف الفولاذ التركيب كله.

لكن المشروع واجه العديد من المشكلات

أولاً، كان الطاووس الأزرق ضخم الحجم، مقارنةً باللغم التقليدي. وكان وزن الأسطوانة الضخمة حوالي 8 أطنان. ومن جانبه، كان طول هذا اللغم الدائري أكثر من 6 أقدام (أي 1.8 متر). ويكفينا أنَّ نقول إنَّ نقل السلاح وتجريبه شكَّل مُعضلة.

إذ حفر الباحثون حفرةً بالقرب من مدينة سيفينواكس في كنت، لإثبات أنَّ السلاح يمكنه أن ينفجر فعلاً. ووضع الباحثون اللغم، وغمروا الحفرة، وفجروا المتفجرات التقليدية. ولم يتضمن الاختبار أي مواد نووية. بل كان الباحثون يحاولون فقط إثبات أنَّ الغلاف ودبابيس الإشعال تعمل.

ثانياً، كانت المشكلة الأخرى هي اقتراب الجنود الصديقة من الانفجار. فإطلاق قنبلةٍ نووية دون التضرر من الانفجار الناتج هي مشكلة كلاسيكية قديمة للحرب النووية. إذ يمكن للطائرة أن تلقي برأس الصاروخ، وتهرب من المشهد وتتجنَّب أسوأ ما في الانفجار. لكن إخفاء ذخيرةٍ أصغر حجماً تحت الأرض، أو إطلاقها من مدفعية، قصةٌ مختلفة بالكامل.

وطوَّر الجيش الأمريكي، ووزَّع، مدافع بازوكا نووية في الستينيات كان اسمها ديفي كروكيت، لكن حتى السلاح النووي الصغير ما يزال سلاحاً نووياً. وتحتاج لأميالٍ حتى تبتعد عن التلوث الهوائي النووي الناجم عن انفجارٍ نوويٍ صغير حتى. لكن البنتاغون كان أكثر حكمةً، وعلَّق المشروع.

كيف يمكن تفجير اللغم النووي؟

عانت بريطانيا مشكلةً مشابهة مع الطاووس الأزرق. إذ كيف يُمكن أن تُفجِّر لغماً نووياً دون أن تكون في أيّ مكان قريب من الجهاز؟ وخرجوا بحلين، أحدهما ذكي، والآخر غريب.

كانت الخطة الأولى هي أن تضع سلكاً طوله ثلاثة أميال من اللغم الأرضي إلى الموقع البعيد، حيث يمكن لجنديٍ أن يفجر المتفجرات عن بُعد إذا حاول السوفييت الغزو. وفي حالة فشل هذا، أو في حالة معرفة الجيش البريطاني بتقدُّم السوفييت وتوجب عليهم إخلاء المنطقة في وقت ضيق، يُمكن لجنديٍ واحد أن يُفعل آلية الإطلاق الموقوت المرتبط باللغم.

ويستمر المؤقت لمدة 8 أيام. وبمجرد أن يلفّ، ينفجر اللغم.

وكانت قابلية الاكتشاف هي المشكلة التالية. إذ احتاجت المملكة المتحدة طريقةً لتمنع السوفييت من إبطال الألغام إذا اكتشفها الجنود الروس. وكان حل هذه المشكلة هو التأكُّد من أنَّ اللغم لا يسمح بالتلاعب، أي أنَّه سينفجر على الفور إذا حاول أحدهم العبث به.

وصمَّم علماء القوات العسكرية البريطانية الطاووس الأزرق بهيكلٍ مضغوط، ومفاتيح مائلة. وإذا حاول شخصٌ ما أو شيء ما التلاعب باللغم، أو الاحتكاك به، أو غمره بالمياه، أو ثقب الهيكل بالرصاص سيبدأ عندها الطاووس الأزرق مؤقتاً جديداً لمدة 10 ثوانٍ فقط. وبعد هذه الثواني العشر ينفجر اللغم.

استخدام الدجاج كحل لتجاوز عقبة الحرارة!

كانت الحرارة هي المشكلة الأخيرة. فالمتفجرات الإلكترونية والتقليدية الموجودة في الطاووس الأزرق كانت معرضةً للطقس البارد، وكان النظام بأكمله في حاجةٍ إلى البقاء في نطاقٍ ضيق من درجات الحرارة. وإذا انخفضت الحرارة في الأرض الألمانية عن درجةٍ معينة، فقد لا ينفجر اللغم.

ومرةً أخرى، طوَّر الباحثون حلولاً إبداعية عديدة لهذه المشكلة. تضمَّنت إحدى الأفكار الأولى الدجاج. إذ كان اللغم كبيراً بما يكفي، وبه فراغٌ يكفي ليسكن فيه طائر دجاج. كانت الفكرة أن ندفع بعددٍ قليل من الدجاج بالداخل، مع حبوبٍ تكفيهم للعيش لأسابيع. ويمكن للجندي تغيير الدجاج إذا استدعى الأمر.

واتجه العلماء بدلاً من ذلك إلى طريقةٍ أكثر عملية لتوليد الحرارة. فملأوا اللغم بوسائدٍ من الألياف الزجاجية. وأزالت دائرة المحفوظات الوطنية البريطانية الستار عن الكثير من المعلومات المحيطة بالطاووس الأزرق، مثل مخطط الدجاج، في الأول من أبريل/نيسان من عام 2004.

ولم يكن اختيار تاريخ إطلاق هذه المعلومات مُوفَّقاً، حتى أنَّ بعض الصحفيين سألوا المحفوظات البريطانية إذا كان الأمر كله مزحةً دقيقة لتكون كذبة أبريل/نيسان. وقالت المحفوظات الوطنية لشبكة BBC: «الخدمة المدنية لا تلقي الدعابات».

تعليق المشروع

وبنت بريطانيا نموذجين تجريبيين من الطاووس الأزرق، لكنها أغلقت المشروع في عام 1957. وعرقلت الكثير من المشكلات مشروع اللغم النووي، بدءاً من الحجم والوزن ووصولاً إلى الاعتماد على الوسائد الفاخرة. ولم يكن مقبولاً على الصعيد السياسي الاحتفاظ بسلاحٍ نووي على أرضٍ صديقة في وقت السلم، إذ كانت الخسائر ستكون كبيرة للغاية، وكان العلماء الأمريكيون والبريطانيون يعملون بجدٍّ على رؤوسٍ نووية أصغر وأخف وأخطر.

وعلَّق الجيش البريطاني المشروع. وتُعرض أحد النماذج التجريبية من الطاووس الأزرق الآن في المجموعة التاريخية لمؤسسة الأسلحة الذرية في إنجلترا.

وكانت محاولات بريطانيا لتطوير لغمٍ نووي محاولات مجنونة، لكنها لم تكن المرة الوحيدة التي حاولت فيها قوةٌ نووية تطوير ألغام أو ذخائر أصغر وذات فائدةٍ تكتيكية أكبر. إنَّه فقط مجرد مثالٍ على التفكير المجنون الذي كان يدور في تخطيط الحرب النووية خلال الخمسينيات.