كيف أباد الاسبان يهود مايوركا

عندما وصل الأمريكي داني روتستين إلى جزيرة مايوركا الإسبانية الواقعة في البحر المتوسط قبل خمس سنوات لقضاء عدة أيام هادئة في الجزيرة الجميلة بعيدا عن صخب وضوضاء نيويورك، لم يخطر بباله أنه سيترك نيويورك خلفه إلى الأبد وسيعشق الجزيرة ويبني فيها أسرة.

فقد وقع داني في حب امراة من الكتالان الذين يشكلون أغلبية سكان الجزيرة وقرر البقاء هناك وتزوجا عام 2017. عاش داني أياماً سعيدة في الجزيرة السياحية. لكنه كان يفتقر إلى مكان يمارس فيه طقوسه الدينية فهو يهودي. فبدأ رحلة البحث عن اليهود في الجزيرة فاكتشف تاريخاً مرعباً ومأساويا مر به يهود الجزيرة قبل 500 عام بعد سقوط الأندلس وسيطرة الأسبان عليها.

فقد جرت إبادة اليهود بشكل كامل في الجزيرة خلال مرحلة محاكم التفتيش التي تلت هزيمة المسلمين في إسباينا على يد الكاثوليك. فقد جرى قتل معظمهم وفر من استطاع الفرار أما البقية فقد أجبروا على التحول إلى الدين المسيحي.

"عندما وصلت إلى مايوركا لم يخطر ببالي أن أعثر على يهودي واحد في الجزيرة أو أي شي يمت بصلة إلى الديانة اليهودية" هكذا تحدث داني عن ما كان يجول في خلده عند وصوله الى الجزيرة. وعندما عقد عقرانه على زوجته بعد عامين من وصوله كان قد علم أن الجزيرة كانت تضم بعض اليهود سابقاً.

فقد كان هناك كنيس يهودي يشهد بعض الصلوات مساء الجمعة وبالكاد عدد المصلين يصل إلى عشرة رجال، فيهود الجزيرة نادراً ما يجتمعون في المناسبات الدينية والأعياد اليهودية. ولم يكن من السهل على داني بناء أسرة في ظروف مختلفة تماما عن الظروف التي نشأ فيها خلال طفولته في نيوجيرسي في الولايات المتحدة. ومن هنا بدأت رحلة بحثه عن اليهود في الجزيرة.

وخلال تلك الفترة أيضاً كان طوني بينيا على وشك بدء رحلة لكن مختلفة تماماً عن رحلة داني الذي ولد يهودياً وحافظ على التقاليد اليهودية، بينما كان طوني يخطو أولى خطواته في الديانة اليهودية.

طوني هو من أحفاء اليهود الذين أجبروا على اعتناق المسيحية قبل نحو خمسة قرون خلال مرحلة محاكم التفتيش ويعرفون باسم "تشويتا" ويبلغ عددهم في الجزيرة في الوقت الراهن نحو 20 ألفاً.

وكغيره من التشويتا نما وترعرع طوني كأي كاثوليكي ورغم أنه كاثوليكي مثل باقي أفراد أسرته منذ عقود عديدة فإن سكان الجزيرة ينظرون إليهم باستعلاء ويرونهم أدنى منهم بسبب أصولهم اليهودية.

خلال مرحلة الدراسة كان زملاء طوني في الصف يضايقونه ويسخرون من تاريخ أسرته، "وإذا رغبت فتاة بمرافقة شاب من التشويتا فإن الأسرة ستقول لها إنه ينتمي إلى الطائفة التي قتلت يسوع" كما يقول.

عندما بلغ طوني الثانية عشر من العمر ترك الدين برمته ولم يعد يهتم به. لكن عندما بلغ منتصف العمر بدأ بالبحث في تاريخه وجذوره اليهوديه.

أما داني فقد بدأ بالاطلاع على التاريخ المجهول لليهود في الجزيرة، فلم يكن قد سمع بكلمة تشويتا رغم أن والدته كانت تدرس الديانه اليهودية في المدرسة. ويقول داني" أخذت الأمر على عاتقي. كيف لم يعرف العالم بالمصير المأساوي الذي مر به اليهود في هذه الجزيرة؟ وماذا يعني ذلك لإسبانيا؟".

تعرض حي بالما الذي كان يسكنه اليهود في الجزيرة عام 1391 لهجوم وقتل فيه ما بين 100 إلى 300 يهودي. ومع تصاعد سطوة محاكم التفتيش اضطر معظم اليهود إلى اعتناق المسيحية خوفا على حياتهم بينما بقي البعض يمارس طقوس الديانة اليهودية سراً.

لكن اعتناق المسيحية لم يضمن لليهود النجاة من القتل. فقد تعرض المئات منهم للتنكيل والقتل خلال القرنين الرابع والخامس عشر. عام 1688 حاول 37 يهوديا الفرار من الجزيرة بواسطة زورق، لكن ألقي القبض عليهم أثناء ذلك وظلوا تحت التعذيب لمدة ثلاث سنوات وقتلوا بعد ذلك، ووصل الأمر لحرق ثلاثة منهم أحياء في فرن، وجرت كتابة أسماء عوائل هؤلاء داخل كنيسة سانت دومينغو في الجزيرة لكي يعرفهم الجميع وبقيت الأسماء هناك معلقة حتى عام 1820.

ويعرف أحفاد اليهود الذين تحولوا الى المسيحية باسم تشويتا في الجزيرة ومعناها باللغة الكاتلانية لحم الخنزير. كما تبين لداني أن الأقلية اليهودية في الجزيرة مشتتة وكان هناك صراع على إدارة الكنيس الوحيد في الجزيرة

المصدر BBC